أحمد مصطفى المراغي
17
تفسير المراغي
والتاريخ شاهد صدق على كذب هذا الافتراء ، فهل كان السيف يعمل عمله في إكراه الناس على الإسلام حين كان النبي يصلى مستخفيا والمشركون يفتنون المسلمين بضروب من التعذيب ، ولا يجدون زاجرا حتى اضطر النبي وصحبه إلى الهجرة ؟ أو كان ذلك الإكراه في المدينة بعد أن اعتز الإسلام ؟ وقد نزلت هذه الآية في مبدأ هذه العزة ، فإن غزوة بنى النضير كانت في السنة الرابعة للهجرة ، اللهم لا هذا ولا ذاك . هذا ، وقد كان معهودا عند بعض الملل ولا سيما النصارى إكراه الناس على الدخول في دينهم . ثم أكد عدم الإكراه بقوله : ( قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ ) أي قد ظهر أن في هذا الدين الرشد والفلاح ، وأن ما خالفه من الملل الأخرى غىّ وضلال . ثم فصل ذلك فقال : ( فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقى لَا انْفِصامَ لَها ) أي فمن يكفر بما تكون عبادته والإيمان به سببا في الطغيان والخروج عن الحق من عبادة مخلوق ، إنسانا كان أو شيطانا أو وثنا أو صنما ، أو تقليد رئيس ، أو طاعة هوى ، ويؤمن باللّه فلا يعبد إلا إياه ، ولا يرجو شيئا من أحد سواه ، ويعترف بأن له رسلا أرسلهم للناس مبشرين ومنذرين بأوامره ونواهيه التي فيها مصلحة للناس كافة - فقد تحرى باعتقاده وعمله أن يكون ممسكا بأوثق عرا النجاة ، وأمتن وسائل الحق ، وإنما يكون ذلك بالاستقامة على الطريق القويم الذي لا يضل سالكه ، فمثله مثل الممسك بعروة الحبل المحكم المأمون الانقطاع لدى حمل جسم كبير ثقيل . ثم أتى بما يفيد الترغيب والترهيب فقال : ( وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ) أي واللّه سميع لأقوال من يدعى الكفر بالطاغوت والإيمان باللّه ، عليم بما يكنه قلبه مما يصدق هذا أو يكذبه ، فمن اعتقد أن جميع الأشياء مسيرة بقدرة اللّه لا تأثير فيها لأحد سواه ، فهو المؤمن حقا وله الجزاء الأوفى ، ومن انطوى قلبه